|
بسم الله الرحمن الرحيم
أصحاب الدولة المعالي والعطوفة والسعادة.. الأخوات والأخوة
الحضور الكرام..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
فإنه ليشرفني في هذا المقام الجليل أن أرعى انعقاد مؤتمركم في
رحاب الجامعة الهاشمية، وقد أتاحت لي فرصة لقائكم فأسجل
لرئيسها وإداراتها كل الشكر والتقدير على هذه المبادرة، بعقد
هذا المؤتمر الهام حول رسالة عمان في عيون الآخرين، وفي هذا
الظرف الدقيق من الأحداث والمتغيرات التي تشهدها ساحاتنا
السياسية والاقتصادية والفكرية والثقافية، لأكون بينكم راعياً
للمؤتمر ومشاركاً يحرص أن يضع أمامكم مجموعة من الحقائق
التاريخية الثابتة حول رسالة عمان:
الحقيقة الأولى:
إن
الإسلام
كرسالة
جاء خاتمة للرسالات السماوية السمحة، التي دعت البشرية لأعمار
الكون، باستخلاف محكم، يقام فيه شرع الله بين بني البشر، فيعلو
فيه الحق ويزهق الباطل، وينتصر فيه الخير على الشر، وتعلو فيه
المحبة والتكافل والتعاون والتسامح على الاعتداء والقتل
والتخريب، ويغلب فيه العقل وموازين الحكمة وصدق البينات، فيكفل
الإنسان فيه كرامته وحريته وأمنه واستقراره وتندفع فيه طاقاته
للإسهام الفاعل في إعمار البشرية بقيم الخير والفضيلة.
الحقيقة الثانية:
إن
رسالة عمان
هي
امتداد لرسالة الإسلام السمحة تحدرت من عهد النبوة الخالدة
التي ترجمت رسالة الإسلام منقولة بوحي السماء إلى النبي محمد
r
لتكون المجتمع الذي عاشته البشرية في صفاء مبادئها ونقاء قيمها
وفضائل مضامينها فترة زمنية مشرقة.
الحقيقة الثالثة:
إن
مهمة الرسل
والأنبياء
ومن ورثوا مهمة الحكم وأمانة المسؤولية بالإضافة إلى المصلحين
وقادة الرأي والمفكرين، هي مهمة متواصلة لا تقف عند حدود
الزمان أو المكان، وستظل قائمة إلى أن يرث الله الأرض ومن
عليها.
الحقيقة الرابعة:
إن
دور الهاشميين في
حمل
رسالة الإسلام هو دور أصيل وممتد منذ بدء الإسلام بإطلاق
الدعوة السماوية، على يد النبي الهاشمي في بناء المجتمع
الإنساني الجديد، ووفق الأسس والقواعد والمرتكزات التي جاء بها
الدين الحنيف، وحتى عهد صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبد الله
الثاني ابن الحسين المعظم في إطلاقه رسالة عمان.
الحقيقة الخامسة:
إن
الحق الإنساني في
الحياة،
هو حق ثابت مقدس، صانته مختلف الشرائع السماوية على مدى
التاريخ، لكن تحقيقه كان مرهوناً وسيظل محكوماً بنتائج الصراع
التي تتنازعها قوى الخير وقوى الشر، والتي تنتصر فيها قوى
الخير دائماً.
الحضور
الكرام:
انطلاقاً من الحقائق
السابقة،
وفي ظل ما آمنت به القيادة الهاشمية الحكيمة التي ورثت شرق
الرسالة الإسلامية وتحدرت من أصولها لفروعها فإنني أرجو أن أضع
بين يديكم الرؤية التالية:
أولاً:
أن
البحث عن الحقيقة
هو
بحث مركب يقوم في جزء منه على نظرية الاستقصاء والاستدلال
المعرفي المعمق، ويقوم الجزء الآخر فيه على أساليب المطابقة
والمعايرة للمخرجات التي يتوصل إليها الباحثون في بحوثهم عن
المطلوب.
ثانياً:
إن
ما ستتناولونه في
البحث
والدراسة والتحليل من خلال الأوراق والدراسات التي تقدمونها
وما تتوصلون إليه من آراء وأفكار واقتراحات حول رسالة عمان،
ينبغي أن لا يخرج عن الإطار العام الذي تتفقون عليه في تصنيفكم
للمضامين التي اشتملت عليها الرسالة، بغية اعتماد الحكم المنصف
على مجموعة المبادئ والمرتكزات التي دعت الرسالة لاعتمادها
والالتقاء عليها منهجاً إصلاحياً تتبناه الدول والمجتمعات
الساعية للإصلاح والتغيير، ونبذ التطرف والعنف والإرهاب في
عالم تسوده الفوضى والصراعات، وتضرب في أعماق حضارته التشوهات
الدينية والأثنية والطائفية والعرقية لتخرج من جدر الظلام فيه
فئات وطوائف تنصبها مرجعيات مضللة، تعيد البشرية إلى سابق
عهدها في الدخول في دوامة المتاهات والظلام والجهل.
ثالثاً:
إن
المملكة الأردنية
الهاشمية،
بنظامها السياسي ومرجعياتها العلمية الموثوقة لا تنفك أن تمثل
الوارث الشرعي للرسالة الخالدة، وستظل تعلم على حملها وترجمتها
إلى واقع ملموس، تعتمد مبادئها ومرتكزاتها أساساً في التعامل
الإقليمي والدولي وستهيئ كل السبل لتكوين منهجها الإصلاحي،
السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي على هدي من روح هذه
الرسالة، وباصطفاف تام مع كل قوى الخير والسلام العاملة على
ترجمتها واعتمادها.
رابعاً:
إن
التشوهات التي لحقت
بالإسلام
والحضارة الإسلامية ديناً ورسالة وسلوكاً هي تشوهات دخيلة
ومسعورة، أججت نارها فئات تكفيرية خرجت على كل النصوص والثوابت
المتفق عليها بالقول والعمل، والتقت بمصالحها من كيد وتضليل
وإرجاف المارقين والحاقدين على ديننا، الساعين بدعم من قوى
الشر والعدوان والظلام، لتحقيق مصالحهم وإنهاض قوى التدمير
والتخريب والفساد في الأرض وهذه ظاهرة تكررت وستتكرر عبر مختلف
الحقب التي يغيب فيها العقل والفهم والحوار والاعتدال ويتراجع
فيه المفهوم الإنساني بشكل عام.
خامساً:
لازال التطرّف الذي يعبر
عن
نفسه بتيار التكفير يبدو أعلى صوتاً وتأثيراً لدى الرأي العام،
رغم أنه تيار الأقلية، وواجبنا أن نقوي تيار الاعتدال الذي
يمثل غالبية المسلمين وأن نوفر له المنابر الفكرية والإعلامية
والدعم ليصبح التيار الأقوى المعبر عن الأمة الإسلامية، وعلينا
أن نكشف عن مخاطر التكفير والتطرّف من خلال توضيح وتعميق تيار
الاعتدال في المجتمعات الإسلامية، فالتطرّف هو الاستثناء،
والاعتدال هو القاعدة الفكرية الفعلية لعقيدتنا.
وتقع مسؤولية كبرى في
ذلك على وسائل التوجيه الفكرية من إعلام ومنابر دينية ودعاة
إسلاميين ومنابر فكرية ومدارس تربوية وجامعات وغيرها، لتبني
نهج الاعتدال الذي جسدته رسالة عمان بإجماع الهيئات الفكرية
الإسلامية لتكون المنطلق الفكري لكشف ومواجهة الدعاوي المتطرفة
والفتاوى الغريبة التي تستند إليها.
ومن هنا كانت مهمة تطوير
مؤسسة
الوعظ والإرشاد في صلب اهتمامات الحكومة وبتوجيهات من جلالة
الملك عبد الله الثاني المعظم حفظه الله من خلال تطوير قانون
جديد يرتقي بالمستوى الفكري للدعاة والوعاظ.
إن
التطرّف والتكفير
وتفسير
تعاليم الإسلام بما يخدم أجندات أصحاب تلك الدعاوي، يقود إلى
تضليل النشء والشباب، وإلى ارتكاب أعمال العنف والتطرّف التي
تسيء للمواطنين الأبرياء، وما ينتج عنها عملت الحكومة على
إصدار قانون منع الإرهاب الذي قصد منه منع الجريمة قبل وقوعها
ومنع تكامل عناصر الإرهاب قبل تنفيذها، ولم يقصد منه التضييق
على حريات وحقوق المواطنين بل تقليل فرص المجرمين والإرهابيين
وردعهم قبل الشروع في ارتكاب جرائم الإرهاب، فالتضييق مقصور
على من يخطط لارتكاب أعمال تمس أمن البلاد وسلامة المواطن.
الحضور الكرام..
إن
ما أوردته من رؤية أمامكم
ليس إلا واحدة من تلك الرؤى التي تضمنتها الدلالات المستوحاة
من خطابنا الجديد في التخفيف من حدة الصراع القائم بين الأديان
والحضارات، وهي بحد ذاتها تعبيراً عملياً عن الجهد الذي توليه
القيادة الأردنية جل اهتمامها وعملها الدؤوب لتقدم بيانها
للناس، كوارثة لمنهج إنساني سماوي حاملة لرسالة كونية بناءة
سامية.
أيها السادة الحضور..
إنني على ثقة بأن هذه الرؤية،
ستلقى
اهتمامكم فيما أنتم مقبلون عليه من جلسات، تتضمن محاور المؤتمر
الدالة على مضامين رسالة عمان في عيون الآخرين، سواء ما يتعلق
منها بصورة الإسلام لدى الآخر، أو صورة الآخر في الإسلام، أو
رسالة عمان في نبذ التطرف والعنف والإرهاب، أو رسالة عمان في
صراع الحضارات وحقوق الإنسان في الإسلام، ودور الهاشميين في
حمل رسالة الإسلام، وليكون ذلك كفيلاً بتجلية الصور التي
اشتملت عليها رسالة عمان، والتي بشر بها ودعا إليها النداء
الصادق المخلص الذي أطلقه صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبد
الله الثاني ابن الحسين المعظم حفظه الله ورعاه، والتي شكلت في
جُل ما ورد فيها عقداً ملزماً للحكومات الأردنية المتعاقبة،
وستظل ملتزمة بالعمل على تجسيدها في مختلف الشؤون والقضايا
الداخلية والخارجية منهجاً أساسياً في الإصلاح ووسيلة سامية
لبناء المجتمع الأردني النموذج، الذي يقلى الاحترام والتقدير
في مختلف المحافل الدولية، وتلقى مؤسساته السياسية والتربوية
والاقتصادية والثقافية والاجتماعية كل الدعم والتعاون على
مختلف الصعد.
أشكركم على جهودكم
الهادفة
إلى تعميم ونشر مضامين الحقيقة في رسالة عمان، سائلاً الله لكم
التوفيق ومتمنياً أن تكون استنتاجاتكم وتوصياتكم تحقق الهدف
المنشود لهذا المؤتمر وتخدم مسيرتنا الأردنية في إظهار سياستنا
فيما ندعو إليه من حسن الفهم والحوار والحكمة والاعتدال وصولاً
إلى الإصلاح والتغيير، لبناء الإنسانية التي نريد على أسس
رسالتنا في الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،، |